ذات صيف… بقلم احسينة لغزال

200

الصحراء1

ذات صيف..
كان هذا الفتى يحلم كل ليلة بقدوم العطلة الصيفية، فهو المتفوق دراسيا والمحب للكرة والعاشق للسفر والترحال، ظل يرسم في مخيلته أحلامه ومتمنياته تارة يجره تفكيره لقضاء تلك العطلة مع أخواله بالبادية، فالاجواء الحارة وشرب لبن الإبل يستهويه، والهواء النقي والخروج من روتين المدينة الممل حيث الضوضاء السمة الطاغية هناك، وتارة يتمنى الاصطياف بشاطيء فم الواد بالعيون.( الو السالك مانك لاهي اتجينا هون) كان هذا كلام الخال الصغير، صاحب القامة القصيرة وذو الشارب الطويل الذي لا تفارقه ( مانيجا والطوبة) مذياعه يجول بين جميع المحطات الإذاعية، رغبة منه في الحصول على /اشوي من أزاي/ لا يفهمه إلا أصحاب البوادي يتبعه بلازمة مهمة (أسكي حتى) قد لا تفهم أنت القادم من المدينة أساسها ، فتظل منبهرا تعاين المشهد وهو يسرد طلعة يحكي فيها هموم الشباب ، وجمال البادية وتطلعات المستقبل المظلم.
هنا يرد الفتى (ماني عارف زين عندي انبحر) هذا الإتصال رسم خارطة طريق السالك الذي فضل أجواء الاصطياف على هدوء البادية ، كان الصيف حارا جدا ذاك العام، وانقسمت العائلة بين المؤيد له والمعارض ، فاحساس الأب الرافض لفكرة إبنه قد تكون لها مبررات، انزوى بغرفته حاول كثيرا إلا أنه اصطدم بجبروت العائلة ، لاحت في عقله فكرة الإتصال بالعمة المعتادة على الذهاب (للتخيام) كل سنة، رحبت به وهي صفة معهودة في مجتمع لازال يحتفض بالقيم والتازر والحب المتبادل بين أفراد العائلات، مجتمع يعي أن حب الآخر جزء من سيرورة الحياة، لتجد الخيمة مليئة بالضيوف والترحاب يملأ المكان، تلتحق عائلة الخال والعم والأخ وغيرهم في جو يسوده الإحترام المتبادل، تلك العادات التي نفتقدها اليوم مع صعود جيل قد لا يفرق بين خصلة شعره، وسرواله الذي يسقط الى ركبته متناسيا أن العودة إلى الأصل فضيلة وأن القيم أساس المجتمع ،وتجد نفسك حائرا أيهما الذكر وأيهما الأنثى،فانعدمت الثقة وساد النفاق وكثرت المخدرات. ووو
انتقلت العمة إلى الاصطياف وراح السالك يودع أهله اندمج سريعا مع الأجواء ، وراح يكون صداقات هو المرح والمحبوب، كان كل شيء يمر على أحسن ما يرام يقسم يومه بين مزاولة الكرة والسباحة والراكيط والسهرات الليلية التي تخلق متنفسا عائليا، وتلاحما بين الجيران يجتمع الكل أثناء الوجبات، هي أجواء روتينية يومية ومألوفة.
هذا الفتى لم يكن يذرك أن الحياة بالشاطيء جميلة، مر شهر كامل سريع واقتربت الدراسة وأصبح الجميع يستعد للعودة، ففم الواد بدأ يفقد رونقه، حتى أن العمة تفطنت لذلك وقررت الإلتحاق هي الأخرى (رانا اليوم فلعشية لاهي انروحو).
تلك كانت أخر كلمات سمعها الفتى فقرر السباحة للمرة الأخيرة رغم أن التحدير والعلم الأسود الذي يمنع الإقتراب من البحر، الا أنه لم يبالي، انتظرت العمة بفارغ الصبر عودته فجأة ستسمع صراخ البعض تهرول مسرعة، فات الأوان غرق الشاب الوسيم فمن اليوم ستغيب تلك الإبتسامة، هنا شاءت الأقدار ان يودعهم.
التحقت العائلة في محاولة للبحث عنه، بعد يومين عسيرين سيلفض البحر جثته وينقل إلى مثواه الأخير، ويدفن بجانب أخته الصغيرة التي غرقت هي الأخرى ذات صيف.
هنا يظهر تخوف الأب منذ البداية فالغصة الأولى ستنضاف لها أخرى قد تجعل من الصعب التكيف مع هذا الواقع المرير.

التعليقات مغلقة.