امبارك تمكليت يكتب : انهار السّرح

90

الصحراء واحد

تستفيق باكرا على صوت “كهلة” تردد وبصوت شجي: استغفر الله.. أستغفر الله.. وبعدها تتوقف لحظة وهي تنادي عليك بصوتها الاخاذ الذي يخترق قلبك: محمد.. يا محمد ..گوم صلي ياوليدي.. راهي لهي تطلع الشمس ..
تقوم بسحب غطائك بهدوء وتنظر من جانبه، تخرج عين واحدة وأنت تنظر للظلام الحالك مستمتعا بصياح الماعز ونباح الكلاب في جنبات لمراح، بينما يظهر بالقرب منك جدي صغير ينعم هو الآخر بدفئ فراشك يحرك فكيه ليسمعك صوت أضراسه بعد عملية “الجر”، وبعدها تظهر العجوز وهي تقوم بإشعال النار في “النوالة” وفجأة تقترب منها شاتك “لمهيدنة بريشة ” وهي تصيح بهدوء وخفة دم، تحاول الإقتراب منها أكثر لتعطيها حبات التمر الجافة، التي تعشعشت فيها الديدان، فتأكل الحبات بهدوء حتى لاتثير انتباه البقية من الماعز وتنزعج العجوز وتمنعها من إعطائها تلك الحبات مرة أخرى، بعدها يأتي جديين مسرعين “لمناكيع التوامة” فيقوم كل واحد منهما بإمساك إحدى الثديين ليرضع كل منهما مايكفيه طيلة النهار، لأنه لن يرافق القطيع طوال النهار..
تقوم أنت برفع الغطاء عن وجهك بعدما استنشقت رائحة الدخان الممزوجة برائحة خبز “الفطير” ورائحة الماعز الأخاذة التي تمكنك من النهوض بطاقة متجددة كل يوم، فتنطلق مسرعا وتلبس نعليك بسرعة، وتأخذ المقرج وتقوم بملئه من القربة المعلقة على الأرجل الثلاثة للحمارة، وتقوم بغسل يديك ووجهك، بعدها تتوضأ وتصلي الصبح، ثم تمسك بطرف الحبل مع العجوز لتوقفوا كل شاة عاصية ومتعجرفة “شرادة”، حيث في يدي العجوز قدح خشبي كبير “أدرس” فتقوم بوضع رجل الشاة اليسرى بين الفخد وعضلة الساق وتثبتها جيدا حتى لاتتحرك الشاة، ثم تقوم بشد الثدي الأيمن لتفرغ حليبه في القدح “تبشخ”، وبعدها تعيد الكرة في الثدي الثاني..
وبعد الإنتهاء من حلب الماعز تحمل العجوز القدح وتأخذ منه القليل وتصبه في إناء حديدي وتضعه فوق النار، وتقوم بأخذ الحليب “لمروّب” الذي تم وضعه في إناء خشبي كبير، مستدير الشكل “التازوة” الذي تم حلبه قبل يوم وتضع الحليب الذي تم حلبه في مكانه..
تصب الحليب الطري “لمروب” في شكوتها المصنوعة من جلد الماعز، و”المدبوغة” بإتقان، لينة الملمس وناعمة، فتقوم بمخضها لمدة خمسة عشرة دقيقة تقريبا ثم تضيف له القليل من الماء الدافئ وتستمر في مخضه مرة أخرى لدقائق حتى يصبح جاهزا مليئ ب “الزبدة”.
فتقوم بصب اللبن في قدح صغير “لگدحة” وتقوم بسحب الزبدة منه ووضعها في إناء ثم تغطيها، وتعطي لإبنها يشرب من قدح اللبن، بينما هو يقوم بإعداد الشاي فيأخذ قطعا من السكر والقليل من الشاي وقطعة من الخبز، فيضعهم في كيس مصنوع من القماش، به خيط يسحب الخيط كربطة العنق، ثم يحضر القنينة لتملأها العجوز باللبن..
تقوم العجوز بوضع قطعة من السكر والقليل من الملح في الحليب الذي وضع على نار هادئة حتى يفيض، فتقوم بتقطيع الخبز ووضعه في صحن خشبي”لگصعة” وتاخذ الحليب الذي فاض وتفرغه على الخبز، وتقوم بخلطه بواسطة عود من الطلح، وتضع عليه القليل من السمن وتضعه بجانب ابنها..
يقترب أحد حراس الغنم، كلب، المسمى عرگاب وهو يحرك ذيله تعبيرا منه صادق على صداقته ووفائه لأهل الخيمة، فتقوم أنت وتحضر الإناء الحديدي الذي يتناول فيه الكلاب “لميلغ” وتملأه باللبن، وتقدمه له بجانب لمراح، فتنادي على البقية: ويزة وحارة..
تغسل يديك وتتناول فطورك مع العجوز، ثم تحمل الكيس والقنينة على ظهرك وتخرج من الخيمة في اتجاه لمراح، وتتبعك العجوز فتقوم بعزل صغار الماعز عن أمهاته “اللاغو”، وبعد مطاردات عصيبة تتمكن بعدها من عزله وإدخاله لمكان سكناه “آگرور” ، ثم تنطلق إلى المرعى وأنت تتكئ على عصاتك وأنت تغني ماجادت به قريحتك، وبعد اختفاء الغنم تقوم العجوز بإطلاق سراح صغار الماعز لترعى قرب الخيمة.
وقبل الغروب يتجمع القطيع وهو قادم في اتجاه لمراح، صياح وحنين الماعز على أبنائه، فتتفقد كل أنثى ابنها بعدما انتهت العجوز وابنها من حلبه، فتشم كل شاة ابنها وتعيد المرة تلو المرة حتى تتمكن من معرفة ابنها وسط قطيع كبير من صغار الماعز، وبعد لحظات يهدأ القطيع وتنتهي أصوات الصغار معلنة عن هدوء تام وسكينة وسعادة بعدما شعر الكل بحنان ودفئ الأمومة والأبناء..

التعليقات مغلقة.