هل تنجح قمة الجزائر في تسوية الملفات والقضايا الإقليمية العالقة ؟ بقلم الدكتور الشيخ بوسعيد

652

الصحراء واحد

ـ هل تنجح قمة الجزائر في تسوية الملفات والقضايا الإقليمية العالقة ؟

الدكتور الشيخ بوسعيد

بقلم د : الشيخ بوسعيد 
باحث في القانون العام 
بعد غياب دام أزيد من ثلاث سنوات بسبب جائحة كورونا، تنعقد القمة العربية في الجزائر في الأيام القليلة المقبلة وذلك يومي 01 و02 نونبر2022، وذلك في أجواء من الالتباس والخلاف بين الأشقاء العرب، وفي ظل مشهد إقليمي ودولي مضطربين. حيث يفترض بالقمة المقبلة لجامعة الدول العربية أن يلتئم فيها شمل الإخوة، رغم وجود خلافات سياسية عميقة اغلبها موروثة عن الاستعمار. فما بين قمة تونس الأخيرة وقمة الجارة الجزائر المنتظرة، تفاقمت أزمات العرب وخلافاتهم وتصدعت وحدتهم، ناهيك عن ما خلفته تداعيات جائحة كورونا من أزمات، لتأتي الحرب الروسية على أوكرانيا وتزيد الأوضاع العربية تأزما. فما الذي ستقدمه القمة العربية القادمة من حلول لأزمات العرب المتعددة ؟ وهل يمكن لقمة الجزائر أن تكون فرصة للتوافقات والمصالحات العربية ؟
أولاـ هل ستساهم قمة الجزائر في رفع التحديات الإقليمية والدولية الصعبة التي يعرفها النظام الدولي الحالي ؟
ففي الوقت الذي يرى فيه بعض المحللين السياسيين أن قمة الجزائر لن تستطيع أن تنجح بالخروج بقرارات مصيرية، تنهي حالة الانقسام وتساهم في حل الخلافات، وسيكون حتما مآلها الفشل الذريع كسابقاتها من القمم العربية على امتداد أكثر من ثمانية عقود من الزمن  اللهم إذا كان القادة العرب لديهم إرادة سياسية قوية لإنجاحها وترك الخلافات جانبا، وهذا شرط مفقود كما يراه بعض المتتبعين، يفترض بقمة جامعة الدول العربية التي ستنعقد في الأول والثاني من نوفمبر المقبل بالجزائر، أن تكون بمثابة اللقاء المرتقب الذي يلتئم فيه شمل الإخوة العرب، فهناك من يرى بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يأمل بان تحتفي القمة الحادية والثلاثون بعودة سوريا إلى الحضن العربي بعد إقصائها لمدة عقد من الزمن، لكن ذلك لن يتحقق، فقد عمدت السعودية ومصر إلى تعطيل الخطوة، بحجة عدم تنفيذ الخطة التي وضعتها جامعة الدول العربية منذ وقت طويل لمعالجة الأزمة السورية، فيما تنذر الحرب الأهلية المستمرة منذ إحدى عشر سنة بسلوك منحى تصعيدي، وقد قررت الحكومة السورية عدم إرسال وفد إلى العاصمة الجزائرية، مفضلة تمديد عزلتها الدولية، ويرى بعض المتتبعين أن هذا يوجه ضربة للإستراتيجية الدبلوماسية التي تتبعها روسيا، واستثمرت فيها موارد طائلة لإثبات أنها شريك موثوق للبلدان العربية من خلال توقيع اتفاقات، وإطلاق مبادرات دبلوماسية أخرى. لقد تسببت الحرب في أوكرانيا بإفشال هذا المجهود، إذ كشفت أن موسكو ليست الحليف الذي تدعيه. ستنطلق القمة العربية بنسختها الحادية والثلاثين في الجزائر يومي الأول والثاني من نوفمبر القادم، وسط تحديات كبيرة وظروف وعلاقات معقدة تشهدها المنطقة العربية، ونظام عالمي مضطرب ومتعدد الأقطاب والتجاذبات، يعج بالفوضى بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا وتداعياته وأزمة الطاقة. وقبل حسم الدول العربية موقفها من المشاركة من عدمها وطبيعة التمثيل الدبلوماسي، ومع كثرة التكهنات والتسريبات القادمة من العواصم العربية، ورغم ما تبذله الجزائر لإنجاح القمة في حل الملفات الهامة والقضايا الإقليمية المعلقة، وكانت الرئاسة الجزائرية قد أكدت، السبت المنصرم أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لن يحضر القمة العربية امتثالا لنصائح وتوصيات الطبيب، كما ينتظر أن ينوب وزيرا خارجية سلطنة عمان والبحرين عن سلطان عمان هيثم بن طارق، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة . فيما ينتظر أن يحضر أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أشغال القمة، إضافة إلى غياب القادة الخليجيين، ينتظر أن يغيب أيضا الرئيس اللبناني ميشال عون لانتخاب خلف له، حيث تنتهي ولايته في يوم 31 أكتوبر الجاري . وقالت مجلة “جون افريك” الفرنسية الذائعة الصيت يوم الثلاثاء الماضي نقلا عن مصادر جزائرية، أن جلالة الملك محمد السادس سيحضر بنفسه رفقة ولي العهد مولاي الحسن، القمة العربية المقررة بداية نوفمبر القادم بالجزائر، رغم عدم صدور أي بلاغ من الديوان الملكي يؤكد مسالة حضور جلالة الملك للقمة العربية بالجزائر مطلع الشهر القادم. وقد تخفف الزيارة الملكية من حدة التوتر المتصاعد مؤخرا بين المغرب والجزائر، وكان وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة قد وصل يوم السبت الماضي إلى الجزائر للمشاركة في اجتماع وزراء الخارجية التحضيري للقمة العربية، وتعد زيارة رئيس الدبلوماسية المغربية الأولى بهذا المستوى منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وكان وزير العدل الجزائري عبد الرشيد طبي قد وصل إلى المغرب في يوم 27 سبتمبر الماضي، مبعوثا من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى جلالة الملك محمد السادس من اجل تسليم دعوة حضور القمة العربية الواحد والثلاثين، المقرر عقدها بالجزائر يومي 01 و 02 نوفمبر القادم.

ثانياـ هل تنجح قمة الجزائر في حل الملفات الهامة والقضايا الإقليمية المعلقة وحماية الأمن الغذائي العربي ؟
تنطلق القمة العربية بنسختها الحادية والثلاثين في الجزائر العاصمة يومي الأول والثاني من شهر نوفمبر القادم، وسط تحديات كبيرة وظروف وعلاقات معقدة تشهدها المنطقة العربية بصفة خاصة، والنظام الدولي الراهن عموما، بفعل تشابك المصالح، وأيضا أزمة الطاقة التي يشهدها العالم، وقلة المواد الأساسية وغلاء الأسعار نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا، هذه كلها أظهرت هشاشة النظام العالمي الحالي. رغم أن الجزائر تبذل جهدا كبيرا من اجل إنجاح القمة، استبقته بمبادرة للمصالحة الفلسطينية، ويبقى اكبر تحدي يواجه قمة الجزائر هو الملف السوري حيث أن العرب لم ينجحوا في الاتفاق على عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، وهذا يعني أن الملف سيظل معلقا، لان مفاتيحه بيد دول أخرى مثل إيران، الولايات المتحدة، روسيا الاتحادية وتركيا . وكذالك بالنسبة لملفات دول لبنان، العراق وفلسطين. لكن بالمقابل هناك من يرى أن “القمم العربية لم تعد فاعلة” وان الجامعة العربية شهدت عمليات احتضار متعددة طيلة عقود من الزمن، وأنها ماتت لعدة مرات سنة 1990، والانقسام العربي على اثر الغزو العراقي للكويت، ومرة أخرى خلال اتفاقات أوسلو حين لم يظهر لها أي دور، ومرة أخرى سنة 2003 حين عجزت عن اتخاذ موقف عربي موحد من احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، واليوم هي تحتضر مجددا مع قطار التطبيع مع إسرائيل، لأنه أصبح ملف فردي لكل دولة من الدول الأعضاء فالجامعة، ولم يعد من عمل القمة ويعتبر قرار داخلي، خاصة وان هناك اتفاقيات ثنائية تم إبرامها، وان طرح القضية الفلسطينية بحد ذاته سيؤدي إلى عدم استمرارها. ويعد التهديد الأكبر للمنطقة والدول العربية، هو التدخل الخارجي وعدم امتلاك اغلب الدول للقرار السياسي، وهناك بعض الملفات التي يمكن أن تخطو فيها الدول العربية خطوة مهمة، كالتغير المناخي والأمن الغذائي، بالرغم ما يمكن أن تفعله القمة مثلا بالقضية الفلسطينية مع وجود حكومة إسرائيلية لا تريد التفاوض، وانشغال الولايات المتحدة بالحرب في أوكرانيا .
في حين أن المهمة الملقاة على عاتق قمة الجزائر، هي إثبات أن الحوار يمكن أن يسود على الخلاف، ويبدو أن جامعة الدول العربية منقسمة أيضا بشأن نزعتين سياسيتين واسعتي النطاق. فبعض الأعضاء يطالبون بالحفاظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها، من هؤلاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي دعا إلى غلق الباب أمام اي تدخلات خارجية. الهدف الذي يصبو إليه أمثال الرئيس السيسي هو الحيلولة دون التورط في التجاذبات الراهنة بين الشرق والغرب . بيد أن بلدانا أخرى مثل سوريا والسودان تقبل بأوجه التشابه مع مرحلة الحرب الباردة، من خلال الاصطفاف مع الكتلة الأمريكية ـ الإسرائيلية أو مع روسيا. وهناك رأي آخر يرى بأن الجزائر اعتمدت الخيار الثاني. ففي أعقاب القمة، ستقام تدريبات عسكرية روسية جزائرية مشتركة لمكافحة الإرهاب تسمى ” درع الصحراء 2022 ” في قاعدة حماقير الجزائرية قرب ولاية بشار .
ونافلة القول، يمكن القول أن اللقاء العربي بقمة الجزائر المزمع قيامها في الأيام القليلة المقبلة ستكون مهمة رغم كل شيء، وان الخلافات العميقة والتاريخية بين الإخوة الأشقاء، فمكان حلها ليس قمة من هذا النمط . في الوقت الذي يرى فيه منتقدو جامعة الدول العربية، أنها لم تنجح بتاتا،على امتداد سبعة وسبعين سنة من وجودها، في رفع الصوت العربي عاليا في الساحة الدولية، وتحقيق اندماج اقتصادي متكامل، وفشلها في فض النزاعات بين الدول الأعضاء بسبب الانقسام العربي، مقارنة بالاتحاد الإفريقي واتحادات أخرى، رغم أن بعض الأعضاء يفضل الشراكة مع الاتحاد الاوروبي، الولايات المتحدة، الصين، اليابان، كوريا الجنوبية وتركيا .. . لعل الحل يكمن في إصلاح أنظمة الجامعة، لا سيما عملية صنع القرارات المستندة إلى الإجماع، بهدف زيادة الفاعلية وتحسينها. يشكل هذا المشروع هاجسا للدبلوماسيين العرب منذ سنوات، ولكن مثلما هو الحال في الأزمات الراهنة، لا إجماع على مسألة الإصلاح.

التعليقات مغلقة.