الوجع يغتالني يا “أبي” بقلم الأستاذة : بيروك الضبيالي زهرة

114

الصحراء واحد

الوجع يغتالني يا “أبي”. بقلم الأستاذة : بيروك الضبيالي زهرة

إلى لحظة الهدوء المخيف، وإلى التّرنح نحو العدم،إلى الروح التي رافقتني منذُ الولادة، للأيادي الحنونة التي مسحت لي دموعي وأخذتني بين الروح والصدر في عناقٍ طويلٍ للغاية،ثمّ إلى الذكريات الكثيرة الجميلة التي دثرتنا، تلك اللّمة الصاخبة، والكثيرُ من الحب والكثير من الدفء. نحو إعلاننا لعدم الاستسلام ورضوخنا للحقيقة المرة. ثم إلى النسيان المُزيّف الذي كسّر نشوة البقاء المثقل بأصواتٌ ما انفكت تبحث عن غذاءٍ لتلك اللاّنهاية وإلى الأبد.
إليكَ “حبيبي” من بين كل هذا سلامٌ مثخنٌ بالشوق الذي كبح جماح ألمي تجاهك. فإن المصائب الجديدة نكأٌ للجروح القديمة التي دفعتنا وجعلت المشاعر تتخبّط بين عدم النسيان والقبول بكل ما حدث مُرغمًا.ولكن أدركُت جيدا أن الطحالب العائمة لا تُوقف السفن الماخرة، كما أني أعي حق الوعي أني وقعتُ بين شِقي الرِّحى ورغم ذلك سينجلي غُبار التداخل والتصارع هذا يومًا ما ويمسح الرّان عن قلبي، ومن المستحيل أن أبرأ منك “أبي”، من الكذب أن ننسى من كانوا جزءًا منا، من ربونا وفعلوا لأجلنا الكثير.
يا صديقي؛ نعم أنت رفيقُ دربي، قصتي الجميلة، القصيدة التي احفظها،إني أراك عندما تمر فوق السماء غيمة، أذكُرك في أدق التفاصيل بين رفوف الكُتب، عندما أشتم عطرك، بين ثيابك وحين تُمطر. حاضرٌ معي في كوب الشاي، عندما يُرفع الأذان، عندما أغمض عيني ومع الشرود. لعلّي فقدت صبري، وربما فقدت إيماني بما حولي ومع كل هذا فقدت جميع مشاعري وتضاربت حياتي من بعدك وأُرهقت صدقًا وبات من الواضح أني غبتُ عن نفسي وانفصمتُ عني حين انفصلتَ عن حياتي وذهبتَ وتركتني هُنا.
إن هذه الأحاسيس تحرّك ما كان هاجعا من عاطفتي وكأنّها قوارع تطير لها القلوب. فقسوة الإحساس هذا قد صدّع العناد في داخلي ولنتُ ثم استسلمت. أيامٌ تمر رويدا رويدا، لحظات معها تعدو وتسابق سرعة الوقت وما زال الكلام ينزف وأمور كثيرة تتغيّر وتغيرنا. فالأفق المتلبّد بالسحب قد يتولد منه برق يضيء وهذا البرق قد يكون صعقَ ما تبقى.
يا “قوتي” ما أضعفني بعدك….شعور الخوف من الثرى يدثرك وانت لا تدري هل الوجع يراودني هل استوطن قلبي الا يهابك هذا الألم الا يخشاك يسكن قلبي ينهك جسدي ،يلازمني ينثر السواد حول مدامعي وتلازم الآهات مسامعي …وأشعر بالوهن
أبي أيّها الوتين؛ لا أخدعُك وأنا بين يديك أستشعر بيدي قبرك ولا أستطيع فعل ذلك. فلم تعلمني أن أكذب عليك أو أرواغ، أريد أن تعلم فعلا أنني أنزف من الداخل وكل شيء يدور بي، لا الأرض تحملني ولا السماء تريحُ داخلي. إن الذكريات لا تهوّن عليّ رحيلك الأخير والأبدي بل ترعبني وتقهرني.
ايها “الدرويش” الذي هرول الكادحون والدراويش وراء جنازته مفجوعين يتسابقون للصلاة…يبكون ويذكرون محاسنك طيبتك وابتسامتك وحسن خلقك…وسعة صدرك وتواضعك ……
هكذا تمر أيامي بين ليل الوجع، ونهار لست أدري كيف يمر. المهم أن الزمن يطوي نفسه طيا.. فتتراكم صفحات العذاب والألم فوق بعضها، فيخفت وهج الحياة تدريجيا، حتى أن النهايات لتكاد تسبق أوانها..

التعليقات مغلقة.