صناعة السرديات وتوظيف الإعلام في معارك النفوذ.. قراءة في المشهد السياسي المغربي

مدير الموقع28 مايو 2026آخر تحديث :
صناعة السرديات وتوظيف الإعلام في معارك النفوذ.. قراءة في المشهد السياسي المغربي

الصحراء واحد

صناعة السرديات وتوظيف الإعلام في معارك النفوذ.. قراءة في المشهد السياسي المغربي.

​تتحرك الجيوسياسية المعاصرة في فضاء لم تعد تحسمه فوهات المدافع، بقدر ما تقوده قوة الكلمة وهندسة التركيبات والرموز الرقمية، فصناعة السرديات وبناء الأطر التفسيرية للواقع أصبحت تمثل العماد الأساسي لمعارك النفوذ الدولية والوطنية على حد سواء. وفي هذا السياق الممتد يبرز المشهد السياسي والإعلامي المغربي كحالة دراسية بالغة التعقيد، تتداخل فيها رهانات السيادة الخارجية بحسابات السياسة الداخلية، وسط أسئلة حارقة تطال جوهر الوساطة الإعلامية وصناعة الوعي في عصر التدفق الرقمي الجارف.

​و في محاولة متواضعة لمقاربة هذا المشهد و من زاوية إستراتيجية، يظهر بشكل جلي أن المغرب يخوض حرب سرديات شرسة وعابرة للحدود تتركز بالأساس حول قضاياه الحيوية والسيادية، كملف الصحراء والتموقع في فضاء الساحل والصحراء، فضلا عن تدبير العلاقات المتوترة إقليميا مع الجارة الشرقية. هذه المواجهة فرضت على الإعلام العمومي المغربي ، الإنتقال من الأنماط الدفاعية الكلاسيكية القائمة على مجرد ردود الفعل، نحو تبني إعلام إستراتيجي هجومي يستهدف إدارة الإدراك العام الدولي. إنها سردية جديدة تقدم المملكة كقوة إقليمية وازنة و محورية في إستقرار المنطقة، ورائدة في مجالات مكافحة الإرهاب وأمن الهجرة والتنمية جنوب جنوب، وهو ما ينسجم مع مقولة الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه بأن : “التفوق في العصر الحديث ليس لمن يملك السلاح الأقوى بل لمن يمتلك الرواية الأكثر إقناع للعالم”.

​أما على المستوى الداخلي، فإن النقاش حول توازنات المشهد السياسي يقودنا مباشرة إلى التساؤل عن طبيعة الصراع بين النخب السياسية وحجم التداخل بين المال والسياسة أمام الدعوة الى تجويد التشريع. وهنا وجب الإشارة الى ما أثار انتباها حين كتابة هذا المقال الى ما قدمه السياسي و البرلماني عبد الله بووانو في أحد حوارته لوسائل الاعلام من قراءة نقدية عميقة تعكس ملامح هذا الصراع الداخلي، لاسيما عند إثارته لإشكالية تضارب المصالح وغياب القوانين الزجرية الصارمة التي تمنع إستغلال النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب إقتصادية، و ليستدل في حواره على بعض الثغرات التي تعتري تدبير بعض الصفقات العمومية الحيوية كقطاع الصحة والسياسة الدوائية. تحليل أرجعنا مباشرة إلى أفكار عالم الإجتماع الفرنسي بيير بورديو حول رأس المال الرمزي و إعادة إنتاج النخب حيث يسعى كل طرف إلى إستعمال آلياته وأدواته الخاصة ومنها الإعلام، لشرعنة تموقعه وحماية مصالحه داخل بنية السلطة.

​ونرى أنه و في ظل تراجع خطوط التمايز الأيديولوجي والبرامجي بين الأحزاب المغربية، تحولت الواجهة الإعلامية إلى ساحة منافسة بديلة لصناعة الصور الذهنية الجاذبة للإستحقاقات الإنتخابية المقبلة. ومع هذا التحول برز الإعلام الرقمي البديل ومنصات التواصل الإجتماعي التي تحولت في كثير من الأحيان من أدوات للتنوير والرقابة الشعبية إلى وسائل للضغط والتشهير و الإبتزاز السياسي بهدف تصفية الحسابات أو التأثير في صناعة القوانين والتشريعات. إن هذا الانزلاق عن النقاش الرصين حول السياسات العامة نحو شخصنة الصراعات وتضخيم الإثارة، يعمق ما يصفه المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري “بـأزمة الوساطة التاريخية”، حيث تفقد المؤسسات الحزبية والإعلامية التقليدية قدرتها على التأطير العقلاني المجتمع، الأمر الذي ترك الفضاء العام عرضة للتلوث الرقمي والبلبلة الموجهة.

​إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإعلام المغربي اليوم ليس تحد تقني أو تمويلي فحسب، بل هو تحد تشريعي وأخلاقي بالدرجة الأولى. فالطفرة الرقمية العنيفة أدت إلى تراجع الصحافة الرصينة والإعلام الهادف والبناء ، مما أفسح المجال لـمنصات غير مهيكلة تقود الرأي العام وتصنع سرديات مضللة وأخبار زائفة تهدف إلى تزييف وعي المواطن وإضعاف ثقته في المؤسسات. وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير القوانين المنظمة للصحافة والنشر وحماية الأمن الرقمي، فضلا على ضرورة إعادة الإعتبار لمهنة الصحافة كقوة لإنتاج المعرفة والوعي الجمعي، وضمان وجود صحافة إستقصائية مهنية قادرة على فرز الحقائق من الأوهام وتفعيل المراقبة الديمقراطية.

​ختاما، يظل سؤال الإعلام في المشهد السياسي المغربي هو مدى القدرة على تحقيق التوازن الصعب لصياغة سرديات وطنية متماسكة وقوية تحمي السيادة الخارجية للمملكة وتدعم تموقعها الجيوسياسي، وفي ذات الوقت توفير فضاء إعلامي داخلي حر و مسؤول وتعددي يقطع دابر التضليل والابتزاز السياسي ، ويسهم في بناء مجتمع ديمقراطي حداثي يتأسس فيه القرار على الحوار العقلاني الرصين والمصلحة العليا للوطن.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي.
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي .
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية .

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة
    error: Content is protected !!