الصحراء واحد
الأوراش الملكية الكبرى، هندسة استراتيجية للسيادة الوطنية والكرامة الإنسانية.
عادل بن الحبيب
تجسد الأوراش الملكية الكبرى في المغرب رؤية استراتيجية متكاملة تجاوزت منطق التدبير القطاعي الضيق إلى منطق “الهندسة الشاملة” لبناء دولة . إن المتأمل في هذه الأوراش يدرك أنها تقوم على ركيزتين أساسيتين، السيادة الوطنية بمفهومها الحديث (الطاقي، المائي، والغذائي)، والكرامة الإنسانية كجعل المواطن في قلب التنمية. فمنذ مطلع الألفية، انخرطت المملكة في ورش تحديث البنيات التحتية كرافعة اقتصادية، حيث نجح “ميناء طنجة المتوسط” في وضع المغرب ضمن أفضل 20 ميناء عالميا، مما عزز السيادة اللوجيستية وجذب استثمارات كبرى في قطاعي السيارات والطيران. ويدعم هذا التوجه اليوم “ميثاق الاستثمار الجديد” الذي يهدف إلى قلب موازين الاستثمار لصالح القطاع الخاص ليصل إلى ثلثي الاستثمار الإجمالي بحلول 2035، مما يضمن استدامة النمو وخلق فرص الشغل.
وفي موازاة هذا الإقلاع الاقتصادي، وضعت الرؤية الملكية “الكرامة الإنسانية” كأولوية قصوى من خلال ورش “الحماية الاجتماعية” الذي يعد الأضخم في تاريخ المغرب الحديث، عبر تعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر بميزانية تصل إلى 25 مليار درهم. ولا تنفصل هذه الكرامة الاجتماعية عن الكرامة الحقوقية التي تتجسد في ورش “مراجعة مدونة الأسرة” لتعزيز التماسك المجتمعي، وورش “المغرب الرقمي 2030” الذي يسعى لرقمنة الإدارة وتقريب الخدمات من المواطن. إنها هندسة اجتماعية شاملة تهدف إلى بناء الدولة الاجتماعية و تحصين الفئات الهشة، مدعومة بإصلاحات جذرية في منظومة الصحة والتعليم.
أما على مستوى السيادة الاستراتيجية، فقد أطلقت المملكة أوراشا لتأمين مستقبل الأجيال القادمة، حيث يأتي “البرنامج الوطني للتزويد بالماء 2020-2027” بميزانية 143 مليار درهم ليشكل صمام أمان عبر تقنيات “الطرق السيارة للماء” وتحلية مياه البحر. وبالتزامن مع ذلك، رسخ المغرب ريادته في “الانتقال الطاقي” عبر محطة “نور” وطموحات “الهيدروجين الأخضر” لتأمين 52% من الاحتياجات الكهربائية بحلول 2030. ويمتد هذا الطموح السيادي إلى الفضاء الجيوسياسي من خلال “المبادرة الملكية للأطلسي” التي تهدف لتحويل الواجهة البحرية للمملكة إلى منصة تواصل استراتيجية تربط دول الساحل بالعالم، وتعزز مكانة المغرب كقطب اقتصادي قاري.
ولم تغفل الرؤية الملكية الأبعاد الروحية والمجالية، عبر أوراش إصلاح الحقل الديني وتنزيل “الجهوية المتقدمة” لتقليص الفوارق المجالية. إن هذه الأوراش، بما فيها الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030 وما يرافقها من تحديث شامل للمطارات وتوسيع شبكة “البراق” لتشمل مدنا جديدة، ليست مجرد مشاريع معزولة، بل هي سيمفونية تنموية متناغمة. إنها هندسة ملكية صاغت هوية مغربية جديدة، مغرب واثق، يملك قراره السيادي، ويصون كرامة مواطنيه، ويتموقع كقوة اتزان وازدهار في محيطه الإقليمي والدولي.








