الصحراء واحد
المغرب وصناعة السلام في غزة
يندرج إنخراط المملكة المغربية في الجهود الرامية إلى إرساء السلام في غزة وفق رؤية إستراتيجية متكاملة، تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية بالمحددات القانونية، وتتقاطع فيها القيم المبدئية للسلام والتي تهدف إلى بناء مجتمع آمن ومستقر، مع الحسابات الجيوسياسية الدقيقة. فالمغرب و الذي راكم تجربة متميزة في الوساطة وتسوية النزاعات الدولية، يتحرك اليوم في هذا الملف الحساس بمنطق الدولة المسؤولة التي تشتغل بصمت، وتستثمر في الإستقرار بعيدا عن الضجيج الإعلامي أو التوظيف الدعائي.
فإستعداد المغرب لتأهيل القدرات الأمنية المحلية بغزة في أفق ما بعد الحرب و مساهمته المالية وجاهزيته للمشاركة في آليات الإستقرار الدولي، إلى جانب التزامه بإحداث مستشفى ميداني لتقديم العلاجات العاجلة، كلها مؤشرات على مقاربة عملية ومؤسساتية لا تكتفي بإعلان التضامن بل تترجمه إلى التزامات واقعية قابلة للتنفيذ. غير أن الرهان الأعمق يظل حبيس البعد الفكري والقيمي فالسلام المستدام لا يقوم فقط على ترتيبات أمنية و تكتيكية، بل يتأسس على ترسيخ ثقافة التسامح والتعايش ونبذ منطق الإقصاء والكراهية وهذا ما تراهن عليه المملكة.
ويكتسب التحرك المغربي داخل مجلس السلام رمزية مضاعفة، بالنظر إلى رئاسة جلالة الملك محمد السادس للجنة القدس التابعة لـمنظمة التعاون الإسلامي، وهو موقع يمنح المملكة شرعية سياسية وأخلاقية في مقاربة القضية الفلسطينية، و التي هي نتاج تراكمات عبر تاريخ هذا النزاع الإسرائلي الفلسطيني، الذي جعل تدخلها مندرج ضمن إلتزام تاريخي ثابت. لقد أكد الملك محمد السادس نصره الله في أكثر من رسالة موجهة إلى القمم العربية والإسلامية أن “حل الدولتين هو السبيل الواقعي والوحيد لضمان أمن وإستقرار المنطقة”، وهو موقف ينسجم مع قرارات الشرعية الدولية ويؤطر التحرك المغربي ضمن أفق سياسي واضح المعالم. فعندما يستحضر مفهوم “حفظ السلام” في غزة، فإن الأمر يحيل وحسب مقتضيات القانون الدولي إلى منظومة عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وهي عمليات لا يمكن أن تتحقق إلا بتوافر شروط دقيقة في مقدمتها وقف إطلاق النار وموافقة الأطراف المعنية، مع صدور تفويض صريح من مجلس الأمن. إن الطرح المغربي الشجاع لا يمكن فهمه إلا باعتباره إستشراف لمرحلة ما بعد الحرب والهادف إلى تأطير الدور العربي داخل إطار شرعي دولي يقي المنطقة مخاطر الترتيبات الأحادية أو الحلول المفروضة خارج التوافق الأممي. و من هذا المنطلق مافتأت الديبلوماسية المغربية، ووفق التوجيهات الملكية السامية وعلى اعتبار أن حقل العلاقات الدولية ووفق الدستور يدخل ضمن الإختصاصات السيادية للملك، أقول مافتأت تشدد على مركزية الحل السياسي وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، ورفض أي مساس بحقوق المدنيين أو أي محاولات لفرض وقائع ديموغرافية جديدة. وهو خطاب يعكس وجود وعي مركب بطبيعة المرحلة ويؤكد حرص المغرب على عدم القفز فوق محددات القانون الدولي أو موازين القوى العالمية، مع الحفاظ في الآن ذاته على ثبات موقفه الداعم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
لقد سبق لعدد من القادة الدوليين أن نوهوا بالدور المغربي كفاعل متزن في محيط مضطرب، فقد إعتبر الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون أن المغرب “شريك موثوق في دعم جهود السلم والأمن الدوليين”، فيما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكثر من مناسبة أهمية “الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في تعزيز الإستقرار الإقليمي”، كما أشاد مسؤولون أوروبيون وأفارقة بقدرة المغرب على الجمع بين الواقعية السياسية والإلتزام القيمي في إدارة الملفات المعقدة. هذه الشهادات وإن جاءت في سياقات متعددة ومختلفة فإنها تعكس إدراك دولي لمكانة المغرب كوسيط موثوق به وقوة إقتراحية داخل منظومة الأمن الإقليمي والدولي. التحرك المغربي اليوم وعضويته المتميزة بمجلس السلام يندرج ضمن إستراتيجية أوسع لإعادة إحياء الفعل العربي الجماعي عبر أطر مؤسساتية، سواء داخل جامعة الدول العربية أو من خلال التنسيق مع الشركاء الدوليين الفاعلين. المغرب الذي أثبت دعمه التاريخي للقضية الفلسطينية دون الإنزلاق في إستقطابات إقليمية حادة مع حفاظه على علاقاته الدولية بشكل متوازن يتيح له أكبر هامش من التأثير الفعلي في حلحلة الزاعات وفق هندسة دبلوماسية تقوم على مبدإ “الاتزان الفاعل” بعيدا عن الحياد السلبي، والإندفاع غير المحسوب وفق تموضع واع داخل معادلات جيوسياسية معقدة.
إن نجاح هذا التموقع يظل رهين تطورات الميدان وبمدى إستعداد القوى الكبرى لقبول دور عربي منظم في مرحلة إعادة الإستقرار. فعمليات حفظ السلام ليست مجرد إعلان نوايا بل هي هندسة سياسية وأمنية دقيقة تتطلب توافق متعدد الأطراف وضمانات تمويلية وتنسيق إستخباراتي عالي المستوى ولوجستيكي جد معقد. غير أن مجرد طرح المبادرة يضع المغرب في موقع المبادر لا المتفرج ويمنحه أفضلية أخلاقية وسياسية في لحظة إقليمية تتسم بالفراغ القيادي والتردد الإستراتيجي.
ومن وجهة نظرنا الإستشرافية نرى أن المغرب يسعى إلى تحويل رصيده من رئاسة لجنة القدس، ومن تاريخه في الوساطات الهادئة، ومن مشاركته المتواصلة في بعثات حفظ السلام الأممية،إلى تأثير سياسي ملموس داخل منظومة الأمن الإقليمي. وهو بذلك يطرح نموذج مميز في إدارة النزاعات يقوم على ثلاثية متكاملة الأدوار، أساسها الشرعية الدولية و الفعل الإنساني الملموس والإستثمار في المعركة الفكرية ضد التطرف و الكراهية والإنقسام.
ختاما، التصور المغربي في ملف غزة يكمن من خلال دعم فعلي و تموقع إستراتيجي وإلتزام راسخ بالقانون الدولي، في زمن تتكاثر فيه المبادرات المرتجلة وتعلو فيه الأصوات الشعبوية، يبدو الرهان المغربي على الدبلوماسية الهادئة المسنودة بشرعية أخلاقية ومؤسساتية خيار يعكس وعي عميق بطبيعة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وبأن السلام لا يصنع بالشعارات بل بتراكم الثقة وصيانة التوازنات وترسيخ قيم العيش المشترك كشرط لازم لأي استقرار إقليمي ودولي دائم.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي








