الصحراء واحد
بين هيمنة “مول الشكارة” وضرورة تجديد النخب، هل أفلست الأحزاب سياسيا؟
مخطئ من يظن أن المنافسات الإنتخابية القادمة هي مجرد سباق حول البرامج أو صراع بين لون سياسي وآخر، إنها في جوهرها إمتحان وجودي لما تبقى من أخلاقيات العمل الحزبي أمام تغول المال الذي لم يعد يكتفي بالدعم من الكواليس، بل صار يطالب بالصدارة في المنصات الرقمية وبالتزكيات الرسمية من فوق رؤوس المناضلين أحبوا أم كرهوا. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة ليس هو من سيفوز، بل هل تمتلك مؤسساتنا الحزبية الجرأة الأخلاقية لقول “لا” لبارونات المال المشبوه الذين حولوا الأحزاب إلى أصل تجاري يشترى ويباع عند كل إستحقاق؟ إن الرهان على “مول الشكارة” لتأمين المقاعد هو إعتراف ضمني بعجز الحزب عن إنتاج النخب، وهو صك إستسلام يعلن فيه الحزب السياسي موته السريري كمؤسسة لإنتاج الفكر والبدائل، ليتحول إلى مجرد “وكالة تجارية لتوزيع التزكيات” وطبعا لمن يدفع أكثر أو يضمن أصوات أكثر، بغض النظر عن نظافة اليد أو إستقامة المسار.
إن التبرير الجاهز الذي تسوقه بعض القيادات الحزبية، والمغلف بالبراغماتية الانتخابية وضرورة حصد المقاعد لضمان التموقع في الخريطة السياسية، هو في الواقع سم بطيء يقتل منسوب الثقة فيما تبقى من صلة وصل بين المواطن وصندوق الاقتراع وصولا إلى مؤسساته التمثيلية. فعندما يتغلب رقم المعاملة والمضاربة الإنتخابية على هاجس النزاهة، فنحن لا نربح مقعد تمثيلي ونيابي، بل نخسر جيل كامل من الشباب الذي يرى في تزكية المشبوهين ودوي السوابق القضائية، تكريس لواقع يغلق الأبواب أمام الكفاءات النزيهة ويشرعها أمام أباطرة الإنتخابات. هذه البراغماتية هي في الحقيقة قصر نظر سياسي، لأن المقعد الذي يمنحه صاحب المال اليوم، يسلبه من رصيد نضاب الحزب لاحقا إن كان له نضال فعلا، حيث تتحول الهيئات السياسية إلى رهينة في يد أولائك الذين لا يترددون في تغيير اللون الحزبي بمجرد إنتهاء مصالحهم، تاركين الحزب هيكل فارغ من أي محتوى سياسي قيمي.
لقد حان الوقت لتدرك الأحزاب أن الجرأة التي يطالب بها عموم المواطنين اليوم ليست ترف فكري ، بل هي ضرورة لإستمرار الخيار الديمقراطي. فالرقابة الشعبية التي أصبحت تلاحق تبييض الوجوه وتدويرها لنفس العملية الإنتخابية عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتوجهات العامة نحو تخليق الحياة العامة، لم تعد تسمح بسياسة النعامة. كما أن تعليق الفشل في التخليق على شماعة إنتظار نهائية أحكام القضاء هو هروب للأمام، فالنزاهة السياسية أوسع وأعم بكثير، وهي ترتبط بالتمثلات الشعبية وبقدرة الحزب على حماية هويته من الإختراق والتبخيس. فإما أن تستعيد الأحزاب دورها كـمصفاة دقيقة لإنتاج النخب الوطنية الحقيقية، أو أن تستمر في سياسة تجميع المقاعد بأي ثمن، لتجد نفسها في نهاية المطاف مجرد ملحقات لثروات مشبوهة، فاقدة للقرار ومنفصلة عن نبض الشارع الذي مل من شعارات النزاهة التي تسقط عند أول عتبة للمصالح الإنتخابية الضيقة.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي .








