الصحراء واحد
من يحق له الترشح للبرلمان؟
قراءة في التعديلات الجديدة لقانون مجلس النواب.
عادل بن الحبيب
مع صدور التعديلات الجديدة لقانون مجلس النواب، لم تعد أبواب البرلمان مشرعة أمام كل من شاء الترشح دون ضوابط. فقد اختار المشرع هذه المرة أن يجعل من النزاهة والسجل القضائي شرطا أساسيا للتمثيل السياسي، في خطوة تشريعية مهمة من اجل منع وصول أشخاص تحوم حولهم شبهات إلى البرلمان
، ومن أجل إرساء قواعد أكثر صرامة لتخليق الحياة السياسية.
فبتاريخ29 يناير 2026، صدر بالجريدة الرسمية عدد 7478 القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، في محطة تشريعية تحمل دلالات قوية على مستوى إصلاح المشهد السياسي وتعزيز مصداقية المؤسسة البرلمانية. وقد جاء هذا النص بعد مصادقة البرلمان بغرفتيه، وتأشير المحكمة الدستورية التي أكدت مطابقته لأحكام الدستور، ما يمنحه أساسا قانونيا ودستوريا متينا.
ويسجل أن هذا التعديل لا يستهدف تغيير نمط الاقتراع أو إعادة توزيع المقاعد، بقدر ما يركز على جوهر العملية الديمقراطية، أي تحديد من يحق له الترشح لتمثيل المواطنين داخل المؤسسة التشريعية. وهو اختيار تشريعي يعكس وعيا متزايدا بأن إصلاح السياسة لا يمر فقط عبر القوانين الانتخابية التقنية، بل عبر ضبط شروط الولوج إلى المسؤولية التمثيلية، والقطع مع ممارسات أضعفت ثقة المواطن في العمل السياسي.
ومن أبرز ما حمله القانون تشديد وتوضيح حالات فقدان الأهلية الانتخابية، بشكل يضع حدا لترشيحات ظلت تسيء لصورة العمل السياسي وتفتقر إلى الحد الأدنى من الجدية والنزاهة. فقد وسع النص حالات عدم الأهلية لتشمل الأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام استئنافية بالإدانة يترتب عنها فقدان الأهلية الانتخابية، وكذا الأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام ابتدائية بالإدانة من أجل جناية، في توجه واضح نحو تحصين المؤسسة البرلمانية من أي شبهة قد تمس صورتها أو مصداقيتها.
كما ضبط القانون بشكل أدق العلاقة بين الوضعية القضائية للمرشح وحقه في الترشح، مع الإحالة على مقتضيات تشريعية أخرى ذات صلة بالجرائم الانتخابية واستعمال وسائل الاتصال العمومي خلال الحملات، إضافة إلى التنصيص على آجال زمنية محددة لرفع بعض موانع الأهلية، خاصة تلك الناتجة عن العزل من مسؤولية انتخابية بعد انصرام مدتين انتخابيتين كاملتين. وهي مقتضيات تعكس رغبة المشرع في الجمع بين الصرامة القانونية وإتاحة إمكانية إعادة الإدماج السياسي وفق شروط واضحة ومسؤولة.
ومن شأن هذه التعديلات أن تحدث أثرا ملموسا على المشهد السياسي، من خلال الحد من الترشيحات المشبوهة، والرفع من مستوى النقاش السياسي داخل البرلمان وخارجه. كما ستجد الأحزاب السياسية نفسها مدعوة إلى تطوير آليات الانتقاء الداخلي، واعتماد معايير أكثر صرامة في اختيار مرشحيها، بما ينسجم مع روح النص التشريعي الجديد ومقاصده.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذه التعديلات عن المعطيات الواقعية التي أفرزتها الممارسة السياسية خلال الولاية التشريعية الحالية (2021–2026)، حيث تبرز بعض المعطيات المتداولة أن ما بين 29 و34 برلمانيا وجدوا أنفسهم موضوع متابعات قضائية، أغلبها مرتبط بتهم تتعلق بتبديد المال العام أو سوء التدبير أو جرائم ذات صلة بالفساد. وتشمل هذه المتابعات منتخبين من الأغلبية والمعارضة على حد سواء.
وفي ضوء هذه الأرقام، لا ينظر إلى القانون باعتباره تضييقا على الحقوق السياسية، بل كإجراء وقائي يهدف إلى حماية الاختيار الديمقراطي من التشويش، وإعادة الاعتبار لفكرة التمثيل السياسي باعتباره تكليفا ومسؤولية،ما يجعله خطوة عملية في اتجاه القطع مع ممارسات أضرت بصورة السياسة وأسهمت في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
وهو رهان تشريعي من أجل حماية صورة المؤسسة التشريعية من كل “الشبهات” التي يمكن أن تحيط بها.








